هونج كونج تلك المستعمرة الإنجليزية
الصغيرة التي عادت للصين، كشفت لنا عن مواهب سينمائية انطلقت للعالمية لتقدم سينما
تقترب من روح السينما الغربية، وتنقل مشاعر وأحاسيس لا علاقة لها بروح الثقافة
الشرقية الصينية. يتذكر الجميع أن هونج كونج أعلنت عن نفسها في بداية السبعينيات
بسلسلة أفلام بروس لى الذي أصبح شخصية أسطورية في تاريخ السينما، مماثلة لشخصيات
السينما الغربية الأسطورية، التي كان موتها تخليدا لذكراها في وجدان جمهور السينما
مثل مارلين مونرو وجيمس دين، وكانت أفلام بروس لى هي بداية لتعرف العالم على سينما
الكاراتيه والكونج فو، التي أصبحت سمة مميزة لسينما هونج كونج قبل أن نتعرف على
الموجة الثانية من سينما هذه الجزيرة الصغيرة. ولعل أهم الشخصيات السينمائية التي
يعرفها كل المهتمين بالسينما، والتي بدأت في
تقديم سينما ذات روح غربية هو المخرج " جون ووه " الذي تخصص في أفلام
الحركة والعنف، والذي كانت أفلامه التي صنعها في هونج كونج هي جواز مروره لهوليوود
ليقدم هناك العديد من أفلام الحركة التي نالت جماهيرية كبيرة مع كبار نجوم السينما الأمريكية. قدمت الجزيرة
الصينية مخرجا أخر تعرف عليه العالم من خلال عرض فيلم له في مهرجان كان ليحصل على
جائزة الإخراج من لجنة التحكيم، وتبدأ شهرته العالمية بعد ذلك ويكون أكثر مخرجي
الجزيرة قربا من روح الغرب لإتباعه نهج سينما المؤلف، أنه المخرج " وونج
كارواى " الذي تتزايد شهرته العالمية يوما بعد يوم، ويصبح أول مخرج صيني يرأس
لجنة تحكيم مهرجان كان السينمائي في عام 2006 .
الهجرة من الوطن ألام
ولد " كارواى " – وهو اسمه
الأول – في شنجهاى في عام 1958، وفى عمر خمس سنوات وبالتحديد في عام 1963 هاجر
" كار واى " إلى هونج كونج بصحبة والدته قبل اندلاع الإحداث التي عرفت
فيما بعد باسم الثورة الثقافية، ليستقر في حي قريب من حي ( شنج كينج مانسيون ) ذلك
الحي الذي سيجعله بطلا لأحد أول أفلامه فيما بعد . واجه "وونج كارواى"( اسمه الكامل واى
جى كار واى ) صعوبات كبرى في بداية حياته، حيث لم يكن يعرف سوى اللغة الصينية
لمدينة شنجهاى ؛ كما أن الثورة الثقافية منعت أباه وأخوته من اللحاق ببقية الأسرة في هونج كونج حيث أغلقت
الحدود فيما بعد بدا "كار واى " في تعلم القراءة والكتابة , وبدا حبه
للأدب الصيني الذي كان ينهل منه بقدر ما يستطيع عبر روايات الأدب الصين التي كان
يرسلها له أبوه من الصين، الوطن الأم , حيث لم تنقطع المراسلات بينهما طوال فترة
البعاد , كما أنه تعرف على الأدب الفرنسي والإنجليزي وكذلك أدب روسيا في القرن
التاسع عشر، من خلال أخته التي كانت تدرس الأدب في الصين، وتواصلت فيما بينهما
المراسلات اصطحبته أمه معها في دور العرض
السينمائي ليتعرف على نجوم ذلك الوقت ( جون وين
_ كلارك
جيببل _ ومن نجوم أوربا ألان ديلون ).
دخل " كارواى " مدرسة الفنون
ليدرس التصوير الفوتوغرافي الذي تملك منه في هذه الفترة حيث إنه لم يكن يفارق كاميرا التصوير الخاصة به، في الوقت نفسه بدأ
في التعرف على العديد من المخرجين الذين كان لهم أكبر الأثر في حياته، أمثال
بيرتولوتشى، وجان لوك جودار، وكذلك الفرنسي بريسون ،ومن اليابان الأساتذة الكبار
" كيروساوا " و"أوزو ".
يترك
كارواى مدرسة الفنون في سن التاسعة عشر
ليلتحق بدورة تدريبية على الإنتاج
التليفزيوني ويصبح مساعد إنتاج في قناة تليفزيوني، ثم يترك"وونج كار واى "فى سن الربعة
والعشرين العمل في التليفزيون، ليصبح مساعد مخرج ويدخل عالم السينما الواسع،
ويتحول لعالم كتابة السيناريو، ليتعاون مع أهم كاتب سيناريو في سينما هونج كونج فى
ذلك الوقت " بارى وانج " قبل رحيله ليقطع خطوة مهمة في عالم كتابة
السيناتور بسينما هونج كونج . كان تعاون كار واى مع " بارى وانج " فاتحة
خير له حيث بدأ في كتابة العديد من السيناريوهات للسينما فى جميع المجالات (
كوميديا – كونج فو – بوليسية ... الخ )، وهاهي بعض أهم الأفلام التي كتب لها
" كار واى " السيناريو –حيث استمر في كتابة السيناريو للآخرين حتى بعد
عمله كمخرج :
Once upon a raindow-1982
Chase of fortune-1985
The final victory, Patrick tam-1987
Haunted
cop shop 2, yuen Cheung yen -1988
Savoir of the soul, corey yuen Kwai
& david lai -1991 Legendary la rose noire , jeff Lau- – 1992
The
eagles shooting heroes,
jefflau -1994
A
Chinese odyssey , jefflau –1995
يعتبر " كار واى " فيلم the
final victory أو " الانتصار النهائي " من أهم الأعمال
التي كتب السيناريو لها، وهو من أخراج " بتريك تام " الذي يعتبره "
كار واى " من أهم مخرجي السينما الجديدة في هونج كونج، ورائدا لمرحله الموجة
الجديدة فى هونج كونج، وقد توطدت العلاقة بينهما وعرف بتريك مخرجنا كار واى على
مخرجين جدد لم يكن يعرفهم ليكونوا من أهم المؤثرين في الرؤية السينمائية أمثال
ايريك رومير ومايكل أنجلو انطونيونى كما أعاد تقديم سينما جان لوك جودار لكار واى
. بدأ كار واى فى نهاية الثمانينيات العمل كمخرج مع فيلم as tears go by في
عام 1988 أو" الدموع تذهب بلا عودة " والذي تمت كتابته أثناء العمل فى
فيلم " الانتصار النهائي " ليقوم بعد ذلك بإخراج فيلم
chungking
express عن حي شانكينج فى هونج كونج فى عام 1994
قبل أن يحوز فيلمه " سعداء معا " happy together على جائزة أحسن
إخراج من مهرجان كان فى 1997
.
العمل الأول تقليدي فى المضمون طليعي فى
الشكل
كانت بدايات " وانج كار واى "
في عالم الإخراج مع فيلم
as tears
go by (الدموع تذهب بلا عودة ) في عام 1988، ونظرا لأنه فيلمه الأول فإنه
لم يحاول المخاطرة، فاختار موضوع الجريمة المنظمة، الذي كانت معظم أفلام هونج كونج
فى تلك الفترة تتناوله، وهو موضوع جماهيري ( حقق شهرة جون ووه على سبيل المثال ) .
ولكن " كار واى " كان قد أعلن في أحد أحاديثه أن للمسألة بعدا آخر ؛ حيث
إن الفيلم كان ضمن ثلاثية لم تكتمل، كتبها عبر ثلاثة أفلام، الأول كان " hero of a day أو
" بطل ليوم واحد "، ويحكى عن طفولة وفترة المراهقة الأولى لبطل الفيلم،
وهو سيناريو أصلى مكتوب للسينما لم يتم إخراجه أبدا . الفيلم الثاني وهو فيلم
" كار واى " الأول الدموع تذهب بلا عودة " يتناول فترة حياة البطل
عندما يبلغ 21 عاما، أما الجزء الثالث فهو
فيلم الانتصار النهائي " الذي كتب كارواى له السيناريو وأخرجه" بتريك
تام " ويحكى عن البطل في عمر30 عاما .. يقدم الفيلم حياة البطل ( اه واه _
الممثل أندى لاو ) والذي يقول عنه " كار واى " أنه امتداد لشخصية روبرت
دى نيرو في فيلم مارتين سكورسيزى الأول " الشوارع الوضيعة " " mean
streets ،
حيث نسيج " كار واى حول تلك الشخصية أجزاء من تجارية الشخصية في فترة مراهقته
. فقد قضى " كار واى " فترة طفولته في حي شعبي مليء بالحانات التي
يرتادها رجال العصابات بالرغم من خيار " كار واى " للبداية في عالم
الإخراج السينمائي بعمل لا يخرج عن التقليدي لما هو جماهيري في تلك الفترة بتقديم
عالم رجال العصابات والجريمة المنظمة، إلا أنه أعلن منذ البداية عن أسلوبه
المتميز، في تكوينات الكادر وفى التسلسل الدرامي غير التقليدي الذي جعل منه
المعادل الموضوعي للموجة الجديدة في سينما هونج كونج، ويؤكد الكثير من النقاد
الغربيين على ذلك عبر مشهد المواجهة بين البطل مع أحد أفراد العصابات من أجل الثأر
منه والذي قدم من خلال تصويره بكاميرا محمولة على الكتف مع الصورة البطيئة وتحويل
الصورة لأبيض وأسود مع إظهار حبيبات الصورة . وهو مشهد يمضى في اتجاه معاكس لكل
أساتذة تقديم الجريمة في السينما أو العنف، وعلى رأسهم المخرج الأمريكي ( سام
بكنباه ) أو حتى جون ووه نفسه، حيث يتم تقديم أعمال العنف بشكل جمالي في ظل إضاءة
منتشرة لتجسد لحظة العنف وتقدمها كلوحه للتأثير في المتفرج، فبالرغم من استخدام
" كار واى " للتصوير البطيء في
المشهد من أجل تجسيد اللحظة إلا إنه لم يضع ميزانسين المشهد بالشكل الذي يقدمه لنا
في لقطات واسعة تحدد تفاصيله، بل صورة بالكاميرا المحمولة وكأننا أمام حدث منقول
على الهواء في نشرة الأخبار، وقام بتشويه الصورة بإظهار حبيباتها ليمنعنا من
الاستمتاع بالعنف، وفى نفس الوقت ينقل لنا الحدث كمعلومة في خلال السياق الدرامي .
الحنين لهونج كونج الستينيات
حقق فيلم " كار واى " الأول
نجاحا تجاريا كبيرا فى كل من كوريا وتايوان، وتم ترشيحه لتسع جوائز فى مهرجان هونج
كونج، وهو ما شجع المنتجين لإنتاج فيلم " كار واى " الثاني days of being wild _
" يومان نصبح متوحشين " 1990، وكان من
المفترض أن يخرج جزءا ثانيا له، وهو ما لم يتحقق أبدا، والذي يحكى عن هونج كونج في الستينيات من خلال
قصة حب وينتهي قبل اندلاع المظاهرات الكبرى في الجزيرة عام 1969مع صور هبوط المركبة أبولو على سطح القمر،
يتضمن الفيلم شخصية أحد الأفراد يستمع لإذاعة البى بى سى مع أنه لا يجيد
الإنجليزية في إشارة واضحة للجزيرة التي تعيش تحت الوصاية الإنجليزية مع أن جذورها
هناك في الصين ألام، وهى نفس حالة " كار واى " الذي كان يعيش في الجزيرة
وجذوره وبقية أهله هناك فى شنجهاى، فقد حاول " كار واى " تقديم فترة
طفولته ومراهقته الصعبة على أرض الجزيرة التي لو يكن يعرف لغتها ( يتكلم السكان
لغة مقاطعة كانتون ) من خلال تعاسة قصص الحب الفاشلة لشخصياته .
استلهم " كار واى " أسلوب
الأديب الأرجنتيني " مانويل بويج "، الذي كان يحبه ويعشق أعماله في كون
أن الفيلم كتب من خيوط درامية متفرقة لا تتجمع إلا مع نهاية الفيلم، وهو أسلوب لم
يكن شائعا في سينما هونج كونج ولعل التكوين الغريب لسيناريو الفيلم هو ما أسهم في
عدم تحقيقه لنجاح تجارى كبير، ولكنه مع ذلك حصل على العديد من الجوائز فى المهرجان
القومي للسينما في هونج كونج والتي منها أفضل فيلم وأفضل إخراج، فقد كان صدق
" كار واى " في نقل الشعور بالغربة الذي خيم على جو الستينيات في
الجزيرة ( والتي هاجر إليها الكثيرون من أبناء الوطن ألام في ذلك الوقت ) وهو نفس
الشعور الذي لازمه في فترة طفولته، هو ما جعل من الفيلم يحصل على إعجاب النقاد
بالرغم من انفضاض الجمهور في الجزيرة من حول الفيلم .
العودة للجذور وسينما الأدب الشعبي الصيني
لجأ " كار واى " في فيلمه
الثالث " رماد الزمن " 1994 – ashes of time للأدب الشعبي
الصيني الذي يتناول حياة الفروسية في الأساطير الشعبية الصينية، عبر الاقتباس الحر
لرواية " النسر يقتل البطل " ( 1958 ) والتي كتبها أديب الأدب الشعبي
الصيني ( جين يونج ) . تواكب ذلك مع عودة موجة الكونج فو لسينما هونج كونج مع
بداية التسعينيات، وقد كان " كار واى " من عشاق تلك النوعية من السينما
منذ صغره . وقد اختار كار واى تصوير الأحداث بنفس طريقة السينما اليابانية في
تقديما لأفلام الساموراى، وبالذات تلك التي اشتهر بها كيروساوا، والتي تعتمد على
وجود لحظات تأمل أثناء نشوب المبارزات،
وليس فقط سلسلة متلاحقة من المونتاج للقطات مفتتة، وهو أسلوب يختلف عن ذلك الذي شاع في أفلام
الكونج فو التي تستمد قوتها من الحركات الهوائية التي تبهر المشاهد، والتي تعتمد
في معظمها على الخدع وقصر زمن اللقطات، وهو جعل البعض يذهب إلى أن " كار واى
" قدم كونج فو على طريقة مخرج الوسترن الايطالي الشهير سيرجى ليونى، حيث تغلب
لحظات الصمت على لحظات القتال، وتتفوق القدرات التمثيلية على تصميم المعارك . وفيما
يخص اختيار موقع التصوير أقدم " كار واى " على القيام بمغامرة كبرى لم
يكن معتادا عليها من قبل في سينما الكونج فو، حيث قام بتصوير أحداث الفيلم فى الصحراء، وبما أن هونج كونج
ليس بها صحراء فإنه اختار موقع التصوير فى صحراء الصين الشعبية . قدم لنا فيلما
للكونج فو قريبة من روح أفلام الوسترن، حيث تمتد رحلة الأبطال في الصحراء طوال
الفيلم ولا نعرف ما سيواجههم من أخطار ومصاعب، وهو ما يعد كسرا لقاعدة أساسية في
عالم الكونج فو الذي تدور معظم أحداثة في مدن أو قرى، ينقسم فيها بوضوح معسكر
الأشرار ومعسكر الطيبين، حيث تدور المعركة بين المعسكرين .
السينما على طريقة جان لوك جودار
فيلم " شونجكينج إكسبريس " 1994 chungking express
هو
معزوفة على وحشة المدينة
الكوزموبوليتانية، حيث تتجاور الأجناس وتتصارع المصالح وتقتل المشاعر . قدم
" كارواى " قصتين متوازيتين، ولكنهما متواصلتان فى نفس الوقت، أبطال
قصتيه هما اثنان من رجال الشرطة لا نعرف
لهما أسماء بل مجرد رقمين – الضابطان 663 و223 – وهى أرقامهما في قسم الشرطة،
أحدهما يباشر عمله ليلا والآخر يعمل بالنهار لنرى معالم غابة المدينة بالليل
والنهار. استخدم "كارواى " أسلوب التصوير بالكاميرا المحمولة بين
الطرقات، وداخل محطة القطار والمطار، في أسلوب مشابه لجودار فى " على آخر نفس
"، ولكن التقارب بين الأسلوبين يفرق بينه الفاصل الزمني، وما أحدثته التكنولوجيا من تطور في مجال التصوير
السينمائي. نجح " كارواى " في الفيلم من وجهة نظر بطليه اللذين كانا فى
حركة دائمة لطبيعة عملهما، وكذلك مدينه هونج كونج وأحيائها، التي لا تكف
عن الحركة ليلا ونهارا، حيث يملأ شوارعها الكثير من البشر، يسعون وراء المزيد من
الأموال سواء كان ذلك بطريقة شرعية أو غيرها . قدم كارواى مع " شونجكينج إكسبريس
" رؤية عن اغتراب وعزلة ووحدة سكان هونج كونج بأسلوب يتشابه مع نشرات
الأخبار، حيث الكاميرات المحمولة ومشاهد تصور في الحركة ولقطات مشهدية بدون مونتاج.
العزلة والمزيد من العزلة
قدم
كارواى في عام 1996 ملائكة تسقط fallen angels بمعنى تسقط فى الخطيئة – ليجمع شرذمة من شخصيات
مغتربة في هونج كونج، هذه المدينة اللامعة المتلألئة، ولكنها في نفس الوقت تجمع
بين جدرانها الكثير من الأحزان وتأوي داخلها الكثير من النفوس المعذبة .
كان من المفترض أن يكون الفيلم جزءا من
فيلم شونجكينج ولكن طول السيناريو أدى إلى استبعاد هذا الجزء . تقترب شخصيات
الفيلم من روح الهائمين فى ليل هونج كونج الذين قدمهم فيلم " رماد الزمن "من إخراج كارواى
نفسه . الشخصية الرئيسية هي شخصية قاتل محترف يتلقى الأوامر من متعهد لا يلتقيان
معا أبدا، ويقتل الملل كليهما، وفتاة تجمع معلومات للقاتل المحترف وتتمنى أن
يحبها، وشاب أخرس تنطلق صرخاته في الليل كصيحة رفض لكل ما يحدث . قدم كارواى كل
هذا من خلال شكل غير تقليدي وتركيب للقطات يجعلنا نجزم أن الفيلم لم يتم أخرجه إلا
فى غرفة المونتاج، ولم يكن معدا مسبقا . نعم اللقطات التي تم تركيبها في المونتاج
صورت من قبل، ولكن طريقة توليفها النهائية تتحدد عبر رؤية كارواى لما صوره مرة
أخرى، كارواى ليس من هواة الافتتان بتصميم الكادر بشكل جمالي، فلقطاته تمضي سريعة
( مونتاج قطع حاد – كاميرا تغير اتجاهها فجأة – الحركة البطيئة بلا غرض معروف )
بحيث لا يسمح لنا بالتأمل الطويل وكأننا أمام لوحة تشكيلية، ولكن عبقرية التكوين
البصري عنده مستمدة من بناء الفراغ الزمني، أو تشييد العلاقة بين الفراغ أو المكان
مع الزمن، وهو البعد الذي تنفرد السينما به عن باقي الفنون حيث التكوين الذهني لما
يشاهد وإعادة استيعابه في ذهن المتفرج، لذا فإن كارواى يسعى دائما لتحديد الزمان
والمكان من خلال لافتات تظهر لتحديد الزمان والمكان ( هونج كونج 1995 على سبيل
المثال ) وذلك حتى لا يضل المتفرج طريقه في بحثه الدائم أثناء إعادة تركيب الفيلم
في ذهنه ملائكة كارواى المتساقطة هي نماذج معزولة وحيدة تجتر الذكريات، تنغلق على
نفسها ويعد العنف عملا عاديا في حياتها .
يأتي بعد ذلك فيلم كارواى الأكثر شهرة
والأكثر إثارة للجدل، أنه " سعداء
معا " Happy
together " 1997 وهو الفيلم الذي
حصل عنه على جائزة الإخراج من مهرجان " كان. كما أشرنا من قبل فإن كارواى من
المعجبين أشد الإعجاب بالأدب الأرجنتيني وبالتحديد بالكاتب مانويل بويج فقام
باقتباس روايته affair the Buenos Aires وذهب لأبعد من ذلك حين قام
بالتصوير فى الأرجنتين، وهو ما يعد أول فيلم من هونج كونج يتم تصويره خارج أسيا .
يحكى الفيلم عن زوج من الشواذ جنسيا يغادرا هونج كونج للأرجنتين من أجل تغيير الجو
ومشاهدة الشلالات الشهيرة، حيث يعملان في أحدى حانات التانجو المنتشرة . جرأة
الموضوع جعلت الكثير من أصابع الاتهام تتجه نحو كارواى حيث قال الكثيرون أن تناول موضوع الشذوذ من قبل كارواى كان بغرض
الحصول على إعجاب الغرب الذي يقدر تناول مثل تلك العلاقات في الشرق المحافظ، وتعضد
مثل هذا الرأي عندما عرف أن اختيار الفيلم من قبل مهرجان "كان " حدث قبل
الانتهاء من تصويره. وقد كان عام 1997 هو عام عودة جزيرة هونج كونج للصين الوطن
ألام، وهو ما أدخل كارواى والفيلم في متاهات سياسية لم يكن يصدها .اتهم الكثيرون
كارواى بأنه يشير بهجرة بطليه الشاذين جنسيا لهونج كونج إلى تهديد الحريات الشخصية
فى الجزيرة من بعد عودتها للصين، وأن اختياره لقضية الشذوذ بالذات كانت بغرض إرضاء
الغرب الذي يعتبر قضية الشذوذ من قضايا الحريات الأساسية، وبالذات إذا عرفنا أن الشخصيتين
الرئيستين يقدمهما الفيلم كموطن من هونج كونج وأخر من تايوان، وهما الجزيرتان التي
تطالب الصين باستردادها.
ذهب البعض الأخر إلى أبعد من هذا عندما
رأى أن علاقة الشابين معها هي رمز وضح للعلاقة بين الصين ألام وهونج كونج،
وبالتالي هي علاقة شاذة ستنتهي بالفشل والانفصال مثلما حدث مع الشابين . يغض النظر
عن صحة تلك الاستنتاجات من عدمه فإن الفيلم قد حاز على إعجاب الكثيرين في الغرب
نظرا لتناوله موضوعا يشغل الغرب وأن قيام كارواى بالتصوير في الأرجنتين أخرج العمل
من إطار قضية شواذ آسيويين إلى الإطار الأوسع الخاص بالعلاقات المثلية بشكل عام
وبخلاف موضوع الفيلم الشائك فإن العمل ليس سوى امتداد لرؤى كارواى المتشائمة عن العزلة والوحدة وقسوة
مجتمع (المدينة - السوق )، والجو الخانق
لمدن الغابات الإسمنتية والرغبة في العودة للطبيعة الخلابة .
الحب الممنوع قد يكون هو الحب الوحيد
يتناول كارواى في فيلمه " في مزاج
الحب " 2000
in the mood of love - تيمة
قد تناولتها الدراما من قبل، تيمة الحب العفيف بين رجل وامرأة لدى كل منهما شريك
أو شريكة حياة مختلفة . تم تناول هذا الموضوع منذ الكاتب المسرحي الفرنسي "
كورنيى ومسرحيته الشهيرة le
cid حيث التخلي عن
الحب لعدم الرغبة في الخيانة، وحيث تنتصر التقاليد ورؤى المجتمع على المشاعر
والأحاسيس. قدمت السينما نفس التيمة في العديد من الأفلام، لعل من أهمها "
لقاء قصير " من إخراج ديفيد لين و" جسور ماديسون " من إخراج كلينت
ايسوود، حيث تدور قصة الحب بين سيدة متزوجة ورجل غريب، ويكون الصراع الرئيسي بين
الواجب تجاه الأسرة عدم الرغبة في الخيانة أوترك الأسرة، بين مشاعر الحب الحقيقي
الذي يشعر به الطرفان. القصة بسيطة وقد
يراها البعض عودة لرومانسية لم تعد موجودة ( تدور الأحداث في الستينيات من
القرن الماضي )، لكن أهمية الفيلم لا تكمن
في قصته بل في أسلوبه وطريقته في سرد هذه القصة. يعتبر فيلم " مزاج الحب " واحدا من تلك الأفلام التي ينطبق
عليها مقوله أن السينما الحقيقية لا يمكن حكيها، فلقد سلك كار واى نهجا فى كتابة
السيناريو قد أعطى مساحة كبيرة للمصادفة، ولكن هذا لأيهم لأن الفيلم لا يهتم
بالأحداث بل بالمشاعر والأحاسيس الداخلية لبطليه مستخدما كل المعادلات البصرية
بالرغم من معرفتنا أن هناك علاقة بين زوج البطلة(الحبيبة) وزوجة البطل (الحبيب)،
يخونانهما فيها، إلا أننا لا نشاهد الزوج والزوجة طوال الفيلم ولا تتم أبدا المقابلة
أو التوازي بين حياة الخيانة التي يحيياها الزوج والزوجة كعاشقين، وبين حالة الحب
الأفلاطوني التي يعيشها بطلا الفيلم .
استخدام كار اوى
كل الأدوات البصرية التي توفرها السينما من أجل تجسيد لحظات الحب والولع، فكانت
لقطاته ضيقة لبيان حالة الحصار التي يحيياها البطلان، حيث تنعدم اللقطات الواسعة
ويكون الحد الأقصى لمساحة الكادر هو ( اللقطة الأمريكية )، قد تذكرنا لقاءات البطل
والبطلة في الشارع بمشاهد " الحياة الحلوة " لفيدريكو فيللينى أو "
الليالي البيضاء " لفيسكونتى، ولكن كار واى لا يحتفي بنجومه فليس هناك حركة
مبالغ فيها للممثل داخل الكادر، كما أن معظم كادرات مشاهد اللقاء في الشارع تلتقط
خلال قضبان الشبابيك الحديدية، أو من خلال اللقطة واللقطة المقابلة الخارجية حيث
نشاهد الممثل الظاهر في الكادر من فوق كتف الممثل المواجه له والذي يبادله الحوار؛
لبيان حالة الحصار التي يعيش فيها أبطال الفيلم . جاء سيناريو الفيلم جودارى (
نسبة إلى جان لوك جودار ) حيث نتعرف على تصاعد الحدث الدرامي من خلال مجموعة من
اللقطات متتالية أو من خلال الصوت خارج الكادر، فعلى سبيل المثال نتعرف على خيانة
الزوجة لزوجها عبر مجموعة من المشاهد أو من خلال جمل حوارية داخل أحد المشاهد،
فالزوجة تدعى وجودها في العمل ليلا ويذهب إليها الزوج فلا يجدها، وفى جملة حوارية
بسيطة يقول له صديقه إنه شاهدها تسير في الشارع مع أحد الأشخاص .
وقد لجأ كارواى للعديد من الأخطاء
السينمائية ( إن سمح لي باستعمال هذا التعبير ) من أجل التصاعد في السرد الدرامي
بصريا، فهو على سبيل المثال يصور البطلة في أول زيارة لها للبطل في شقته التي
استأجرها لكتابة روايته خلال مشهد يتغير فيه الزمان دون تغير المكان، فنحن نشاهدها
تصعد السلالم لغرفته ثم تهبط السلالم وتصعد مرة أخرى ثم تهبط عبر مجموعة من
اللقطات المتتابعة، ليعطينا الإحساس أنها تردد على شقته مرات عديدة مع أن المشهد
السابق على زيارتها يعلمنا أن ذهابها له كان أول زيارة . ووصفي لهذا المشهد على
أنه من الأخطاء السينمائية نسبة إلى ما هو متعارف عليه في الترتيب الكلاسيكي
لمونتاج الفيلم، حيث إن المشاهد يرتبك عندما يشاهد الممثل يذهب من يمين الشاشة
ليسارها في لقطة يسير فيها الممثل في الشارع، ثم تظهر اللقطة التالية الممثل يسير
في الاتجاه العكسي، حيث يعطى هذا المتفرج الانطباع أن الممثل يعود أدراجه من حيث
أتى، كذلك الحال مع صعود السلالم يجب أن يستمر الممثل في الصعود في تواصل بين
اللقطات، ولكن كار واى صور هذا المشهد بجرأة شديدة حتى يختصر فى مشهد واحد ما يمكن
تصويره في عدة مشاهد، ليعلمنا بتردد البطلة على غرفة البطل . أن ما يمكن أن نقوله
عن الفيلم أنه باليه حالم صور في الأماكن الضيقة.
2046 المستقبل
من قلب الماضي
يستمر كارواى فى فيلمه "2046 "
فى نسج نفس الأحاسيس والمشاعر التي قدمها في فيلمه
in The mood of love فنحن
أمام كاتب هو نفسه بطل in The
mood of love
يحاول كسب عيشه من خلال كتابة رواية من
روايات الخيال العلمي تدور أحداثها في عام 2046، حيث إن هذا الزمن هو المستقبل
الذي لم يعد منه أحد سوى كاتب الرواية بالطبع . نكشف أن 2046 هو الزمن الذي حددته
الصين لجزيرة هونج كونج والذي من بعده ستقوم بتغير النظام الداخلي للجزيرة، فقد
سمحت الصين للجزيرة بخمسين عاما من الاستمرار دون أي تدخل في نظمها السابقة تحت
الحماية البريطانية . كما أننا نتذكر بجانب هذا أن الغرفة التي كان يشغلها بطل
فيلم in The mood of
love تحمل نفس الرقم، يحاول
كارواى من خلال كل تلك الألغاز استقراء مستقبل الجزيرة عبر رواية الخيال العلمي
التي يجعل بطله الصحفي السابق يقوم بكتابتها في نفس الوقت يجعلنا نعود مع
بطله لنبحث فى ماضي علاقاته النسائية،
سواء في فترة حبه المفقود لبطلة
in The mood of love أو من
خلال العلاقات النسائية التي دخلت حياته
بعد ذلك. أن رواية 2046 التي
يكتبها بطل الفيلم هي رمز واضح لما ستئول إليه جزيرة هونج كونج بعد فترة السماح
التي منحتها لها الصين لذا فإن رقم 2046 هو الزمان ولكنه في نفس الوقت المكان حيث
التصق البعدان في داخل البطل لتصبح الجزيرة في ذلك العام مكانا يعرف باسم 2046 يحاول الجميع العودة منه للماضي
الجميل الذي كان يعشونه، ولكنهم لا يستطيعون فالماضي لا يعود أبدا إلا في ذهن
ومخيلة الكتاب وهو ما يفعله بطل الفيلم بكتابته للرواية حين يضع شخصيات الماضي الذي
عاشه داخل المستقبل الروائي الذي يخلقه في رواية 2046 .
يتنقل معنا كارواى ذهابا وإيابا داخل
ذكريات وتداعيات بطله " شونج " الصحفي السابق والكاتب المحترف
الحالي، والذي يكتب ليكسب عيشه مابين روايات البرنو وروايات الفروسية الصينية،
وهاهو يدخل عالم الخيال العلمي مع 2046 . ذكريات شونج هى ذكريات فشله الدائم في
البحث عن نصفه الأخر الذي يشاركه حياته، إخفاقات متعددة بداية من حبه الضائع في
الجزء السابق من الفيلم
in The mood of love مع " سو لى ذين "
والتي فارقته لحبها لأسرتها وعدم رغبتها في الخيانة، ليقابل في سنغافورا سيدة
جديدة تربطهما معا علاقة غربية حيث تجمعهما معا رابطة القمار، فهي لاعبة محترفة
تعرض عليه أن تلعب بنقوده مقابل نسبة. يقامر شونج بحياته عندما يقع في حب لاعبة
القمار ليكتشف فى النهاية أن اسمها هو نفس اسم حبيبته التي تركته فى هونج كونج
" سو لى ذين " لتعود له الذكريات من جديد مع اسم يتكرر وفراق جديد
والمزيد من الذكريات الأليمة .
عند عودته إلى هونج كونج يعود ليقيم في
الغرفة 2046 التي شهدت لقاءاته مع حبه الأول ليقيم علاقة مع فتاة ليل تسكن الغرفة
المجاورة ويسكن هو قلبها، ولكن قلبه يتعلق بابنة صاحب الفندق. التي تحب شابا
يابانيا يرفض والدها زواجها منه، ولكنه يرضخ في النهاية ليكسر قلب شونج من جديد
ويستمر فشله العاطفي وضياعه و إحباطه داخل عالم الوحدة .
مخرج كبير وسط الكبار
فى عام 2003 قدم كارواى الجزء الثالث من
فيلم " ايروس " وهو عبارة عن فيلم من ثلاثة أجزاء قام بإخراجه معه
مخرجان آخران، لقد كان المخرجان عملاقين فبدا وسطهما كارواى كمارد، وهما الأسطورة
مايكل انجلو انطونيونى وستيفن سودير بيرج . كان من المفترض أن يجمع الأفلام
الثلاثة موضوع واحد وهو الإغراء الجنسي، قدم أنطونيونى وسوديريبرج فيلمين عابرين
لا يتركان أي أثر، وجاء كارواى مع فيلمه "اليد " ليقدم معزوفة في الرقة
والحب والحساسية، يقدمها لنا في قالب سينمائي راق دمغه بأسلوبه الذي يذكرنا
بحساسية in The mood of
love حيث الاستخدام الدرامي للصوت
والموسيقى التي تلعب دور الصوت المعلق على الأحداث من خارج الكادر، مع تنظم الحركة
داخل ألاماكن الضيقة في ميزانسين مبتكر وكادراج ضيق تحوز فيه الأشياء والأصابع
وكلوزات الأيدي على نفس أهمية الكلوزاب على الوجه. القصة بسيطة حيث يرسل ترزي أحد
صبيانه لأخذ مقاسات سيدة تغوى الرجال، وتقتات من هذا العمل الذي يتيح لها العيش في
شقة فاخرة وارتداء أفخم الملابس، ليقع فى حبها بمجرد أن تلمس يداه جسدها النحيل
لأخذ مقاساتها . برع كار واى في تقديم لوع حب الترزي الشاب للسيدة التي لا تلتفت
إليه في مشهد انتظاره لها في الصالة وصوت ممارستها للجنس مع أحد الزبائن يصل إليه
عبر الحوائط . وجاءت جلسات أخذ مقاساتها وكأنها حاله عناق وجماع بينها . عندما
تمرض السيدة ويحاصرها الفقر وتنتقل إلى أحد الفنادق الصغير تمارس فيه البغاء
الرخيص، لا يفارقها حبيبها الترزي الشاب ويظل معهما إلى أن تموت فى مشهد يذكرنا
بغادة الكاميليا . أبدع كار واى كالعادة فى السيطرة على المكان عبر كادراته
المبتكرة التي استخدم معها كل الأدوات السينما من إضاءة وصوت وظهر ذلك بوضوح من
خلال مشهد الجماع الجنسي الذي صور والكاميرا موضوعه على مستوى منخفض عن السرير
ولعله أول وأخر مشهد مماثل يصور بتلك الطريقة. حول كار واى فيلم " اليد
" من فيلم عن الجنس إلى فيلم عن الحب المتفاني العذري الذي لا ينتظر أي مقابل .
إن كار واى هو مثال حي على أن السينما تنبع أولا من الموهبة وكسر المألوف والابتكار، وأن أدواتها
هي سلم موسيقى يقوم المخرج باستخدام علاماته لتأليف عمل يختلف عما سبقه بالرغم من
أن السلم الموسيقى لم يتغير منذ ظهوره وإنما ما تغير هو رؤى التوليف بين عناصره .