|
|
|
|
|
|
|
|
 |
 |
 |
 |
رد
الاعتبار للميلودراما و أزمة النقد
ضياء حسني
السينما
فن حديث من الفنون لا يتجاوز عمره المائة سنة بكثير، أما الكتابة عن السينما سواء
كانت تلك الكتابة نقدية أم نظرية أم حتى كتابة تاريخية فلم تظهر بقوة ألا في
الثلاثينات من القرن الفائت ، بدأت في أوربا القارة القديمة لتشمل العالم المتقدم
كله بعد ذلك ولم تظهر بشكل جدي في مصر ألا
في فترة ما بعد ثورة 23 يوليو و بداية الاهتمام بالكتابات النظرية للمخرجين الروس
مثل إيزنشتين و بودوفكين ثم بيلا بلاش و أندريا بازان و غيرهم ، ثم بدأت اهتمامات
نقاد المغرب العربي بالكتابات النظرية الفرنسية في فترة لاحقة و أن كانت معظم
الجهود لم تنل الحظ كثيرا للظهور باللغة العربية . لكن المقصود أن بدايات الكتابة
في السينما و عن السينما ولدت متأخرة في لغتنا العربية بعض الشيء . لب المشكلة لا
يكمن في تأخر ظهور الكتابات السينمائية بل يكمن في أن من يضطلع بالكتابة عن السينما ليست له مرجعية نظرية تلم
بالكتابات النظرية السابقة في المجال، بمعنى عدم إطلاعه على المجهود السابق الذي
بذل في المجال حتى لو أعترض عليه و نقده ،قد يرجع هذا لعدم توفر ذخيرة من الترجمات
العربية للكثير من الكتابات الأجنبية، لكن هذا ما كان في الفترة السابقة ، و قد
شهدت الخمس عشر سنة الماضية وفرة في الترجمات العربية للكثير من الكتابات التي أثرت المكتبة السينمائية العربية ، و نخص بالذكر
سلسلة كتب الفن السابع السورية و ترجمات مركز الترجمة المصري الذي أصدر في السنوات
الماضية ترجمة واحد من أهم الكتب ( في
ثلاث أجزاء ) التي صدرت عن النقد السينمائي و التنظير السينمائي متمثلة في كتاب ( أفلام و مناهج ) تأليف بيل نيكولز و ترجمة
الناقد السينمائي حسين بيومي. لكن في الحقيقة أن السبب لا يرجع لفقر المكتبة
السينمائية العربية بقدر ما هو فقر للحركة النقدية المصرية و سيطرة الروح الشعبوية
على الكتابات النقدية الصحفية و اختفاء
دوريات السينما المتخصصة التي أفرزت الحركة النقدية المصرية ، نقصد بالروح الشعبوية : أن
الكتابات النقدية تسعى لتملق جمهور المشاهدين بقدر أو أخر، و لا تسعى لخلق تيار
نقدي يرفع مستوى التلقي السينمائي لدى المشاهد المصري ، بل تركز على مهاجمة أو
مداهنة النجوم لأنهم الطرف الأكثر شعبية، و الكلام عنهم يخلق معارك وهمية تحقق
الشهرة لأي شخص يكون. تلك النوعية من الكتابات النقدية لا تحتاج إلي مرجعية نظرية
للكتابة ، بل أني لا أبالغ أن قلت مرجعيتها هي نفس مرجعية المتفرج العادي المتردد
على صالات العرض بل و قد لا تصل إلي مستوى المشاهد المهتم بالسينما و الملم بأسماء
النجوم العالميين و الأفلام المهمة في تاريخ السينما التجارية الأمريكية ، و هو حتى ليس
بمستوى كاف في الغرب لامتهان مهنة النقد السينمائي ... لكن في مصرنا
العزيزة اختلطت الأمور بين الكلام عن السينما و الدراما التليفزيونية و الفيديو
كليب و السيت كوم ... ( و أهو كله فن و تسلية ). هذه المقدمة لرصد الحالة المتردية
للكثير من الكتابة السينمائية تفسر لنا حالة التواضع التي نشاهدها في الكثير
الكتابات النقدية و المشاركات التليفزيونية في برامج السينما ( أن وجدت ) .... تلك
الحالة هي التي تسمح للكثيرين بالتراجع عن مفاهيم نقدية راسخة في النقد السينمائي
العالمي أصبح متفق عاليها و قتلت بحثا عبر الكثير من الكتابات ولم تعد محل جدل
..... ألا هنا في مصر . من تلك المفاهيم الميلودراما ..... الميلودراما هي كلمة مكونة من جزئيين ( ميلو – MELOS ) و ( دراما – Drama ) و المقصود به الدراما الموسيقية ، و
هي نوع من المسرح الذي تقدم فيه العروض المسرحية الدرامية مصاحبة بالموسيقى لتصبح
تلك النوعية من المسرح نوعا ثالثا من المسرح بجانب الكوميدية و التراجيدية في
المسرح الغربي في القرن التاسع عشر . مع ظهور السينما تبنت الكثير من الأفلام تلك
النوعية من الدراما في فترة السينما الصامتة حتى الخمسينيات من القرن العشرين ، و
لمع الكثير من المخرجين في تلك النوعية من السينما أمثال جريفث و إيريك فون
سترةيوم و كينج فيدور و حتى دوجلاس سيرك ، بل و شارلي شابلن الذي قدم ميلودراما
كوميديا لأول مرة في تاريخ السينما . و بالطبع كانت هناك نجمات لهذا لنوع من
السينما معظمهم من النساء ( نظرا لأن الميلودراما تخاطب المشاعر.. و النساء هم
الجنس الأكثر قدر على مخاطبة المشاعر و لعب دور الضعيف ) أمثال ليليان جيش و
باربرا ستانويك و بيت ديفز و جون كروفورد ، و بالطبع في مصر هنا كانت هناك فاتن
حمامة النجمة المتوجة لتقديم الميلودراما قبل تحولها لنوعيات أخرى من الأفلام مع
ماجدة وفي بعض الأحيان شادية . و قد بزغت
في السنوات العشر الماضية الكثير من الكتابات حول ما هو العيب في تقديم عمل
سينمائي درامي طالما كان العمل الميلودرامي مصنوع بشكل جيد .بل أن هناك الكثير من
السينمائيين كانوا يتحدثون عن جودة الفيلم عبر قدرته على جعل المتفرج يلتصق بكرسيه
حتى نهاية العرض دون أن يغادر ، و بالطبع تأتي تلك القدرة في الكثير من الأحوال
عبر قدرة العمل في التأثير في المتفرج و تفاعله مع ما يقدم و تمثله لشخصياته، سواء كان الفيلم مليء بمشاهد العنف أو المؤثرات
البصرية أو الكثير من العواطف التي يذرف عليها المتفرج الدمع . ففي عرف نظريات
السينما يكون ( لصق ) المشاهد في مقعده يعد من أسهل ما يمكن أن ينجح فيه السينمائي
عبر خلق مشاهد تجذب الجمهور مخاطبة مشاعره سواء كانت الخوف أو الحزن أو الانبهار
أو ببطولات مزيفة لبطل خارق .... ألخ
. و الكلام عن الميلودراما المصنوعة جيدا ،
يعكس في الحقيقة حالة التردي التي تشاهدها
السينما المصرية منذ نشأتها و حتى اليوم ، فأن مؤيدي هذا المبدأ يعكسون دون أن
يدروا .... أو أن لسان حالهم يقول بأن السائد هو وجود أفلام ضعيفة في السينما
المصرية و بالتالي فأن ظهور فيلم مصنوع جيدا يعد عملا استثنائيا يجعلنا نتخلى على
كونه فيلما ميلودراميا أو معالجته ساذجة لمقادير شخصياته . بل أن البعض رفع في الآونة
الأخيرة شعار أعادة الاعتبار لأفلام حسن الأمام في السينما المصرية ... تلك
الأفلام التي في معظمها هي تجسيد حي
للميلودراما و تعد المقابل الموضوعي للمسلسلات التليفزيونية المصرية ، حيث يتحكم
القدر في شخصيات أبطالها ، تحركهم سلوكيات و مواقف و مشاعر منفصلة عن النظام
الاجتماعي و السياسي المتواجدين فيه ،
تجعل منهم نتاج للتفاعل فيما بين القدر الراسم لخطواتهم و سلوكياتهم الشخصية التي
تنقسم بشكل حاد بين الخير و الشر الذي لا ثالث لهما ، مع لعب الصدفة دورا كبيرا في
مصير تلك الشخصيات. و مع هذا التكوين الدرامي القدري كان حسن الأمام ينجح دائما في إضافة العنصر الموسيقي من رقص و غناء
ليخلق النسيج المثالي للسينما الميلودرامية ، دون أن ينسي في الكثير من النهايات
بمعاقبة الأشرار و نصرة الأخيار و أعدة التوازن بين الخير و الشر الذي يشعر
المتفرج بطمأنينة داخلية معتقدا أن قانون الحياة الخارجية هو نفس قانون الفيلم
الذي انتهى من مشاهدته. بل أن السينما الهندية أكبر سينما في العالم تخرج كل عام
المئات من تلك النوعية من الأفلام التي تحقق المليارات من الأرباح و لا يمكن لأي
ناقد عاقل كائن يكون في العالم أن يشير
لتلك النوعية من الأفلام و لو من بعيد على كونها تنتمي لعالم السينما الفعلية بالرغم
من جودة فنون الاستعراض فيها بشكل راق و ارتفاع ميزانياتها . أن الميلودراما هي
نوعية من السينما الشعبية الصالحة في كل الأوقات و الأزمنة في مجتمعاتنا العربية
لدعمها للثقافة السائدة لدى الجمهور العربي و المعتمدة على مفهوم القدرية و
الفردية و حل المشاكل بشكل شخصي و عدم الحاجة لأي عمل جماعي ... و ما هي الحاجة
لعمل جماعي و الصدفة و القدر هم من يتحكمون في مصائرنا ... و على كل حال سينتصر
الخير على الشر في النهاية و ستمر اللحظات لطيفة مع أغنية و رقصة و حب و كره و (ربنا
على المفتري). أقدم أسفي للجميع للعودة لمناقشة البديهيات ، و لكن كما كان يقول
أستاذنا العظيم كامل زهيري أنه هناك بعض المثقفين أو من يضطلعون بشئون الثقافة
يفعلون مثلما كان يفعل بعض التلاميذ في القديم ، حيث كانوا يمزقون الكتب بعد
انتهاء الامتحانات ... لذا فأن هناك
الكثير من النقاد السينمائيين أو من يتصدون لكتابة المقالات النقدية يقومون بتقطيع
الكتب .... و أن كنت أشك في أنهم يعرفون أصلا وجود تلك الكتب .
ارسل لصديق
نسخة سهلة الطبع
    ( 0 تصويتات )
|
 |
 |
 |
 |
|
|
|