|
|
|
|
|
|
|
|
 |
 |
 |
 |
و من السينما ما يقتل!!؟؟؟
ضياء حسني
diaahosny@gmail.com
تعاني
السينما التسجيلية في مصر من مأزق شديد جعلها تتراجع و تنزوي و تنحدر، قد تكون
أسباب أزمة السينما التسجيلية في مصر ترجع
في الأساس إلي أزمة الثقافة الجادة بشكل عام و عدم اهتمام أفراد هذا المجتمع ( أو
هكذا أصبحوا ) بالموضوعات العميقة البعيدة عن الترفيه و التسلية ، وبالتالي لا تجد
السينما التسجيلية من يقوم بإنتاجها حيث هي فن بلا جمهور و بالتالي بلا إيراد. و
لكن أعتقد أن السبب الحقيقي في أزمة السينما التسجيلية في مصر تكمن في السينمائيين
التسجيلين، حيث أن مفهوم السينما التسجيلية لدي فصيل كبير من السينمائيين لم يتطور
تطورا كبيرا عن مفهوم السينما الموجهة أو الدعائية التي عرفتها مصر في ستينيات
القرن الماضي سواء كانت من نوعية السينما السياحية أو الإرشادية أو حتى سينما
الدولة الموجهة . لا يعني هذا أن كل ما يقدم من سينما تسجيلية هو سينما دعائية
لنظام قائم أو لدعم سلطة موجودة ، و لكنه يستخدم نفس المنهج حتى لو كان معادي لما
هو قائم. فالسينما الدعائية تقوم على مفهوم :- ذكر جزء من الحقيقة بغرض أخفاء
الحقيقة الفعلية ..... و توجيه المتلقي نحو و جهة النظر المعدة مسبقا المراد حشده
خلفها ، قد يكون هذا الإخفاء أو النقص في الحقائق متعمدا لقلب الحقائق ، و قد يكون
غير مقصود لقصور في منهج صانعي الفيلم و لكن النتيجة واحدة ... البعد كل البعد عن
لب القضية المطروحة. يروج الكثيرين من صناع الفيلم التسجيلي إلي أن ما يقدموه ليس
ألا وجهة نظرهم التي يحق لهم أن يقدموها في إطار تعبيرهم بحرية عن وجهات نظرهم ، و
لكنهم لا يدركون ، أو لعلهم يدركون و لا يعيروا ذلك أي إنتباه، بأن وجهة النظر هي
جنين يتم تكوينه عبر المعرفة و البحث و الدراسة و ليس عبر الميول و الأهواء، ومفاهيم
مثل ( أنا أعتقد هذا ) و( أنا شايف كدة ). فصانع الفيلم التسجيلي يجب أن
بكون كالباحث و الدارس لموضوع معين ، بل و حتى كالصحفي الدارس لموضوعه الصحفي من
كافة جوانبه قبل الكتابة فيه عبر معرفة
عناصر الموضوع المراد تقديمه ، من خلال الكتابات الصحفية عنه و التحقيقات و الدراسات ،
ثم بعد ذلك تتم مقابلة الأفراد الفاعلين
في الحدث و المكان المراد تصويره و نقله على الشاشة . ما يحدث في السينما
التسجيلية المصرية عكس كل هذا.... في الأغلب الأعم هناك حالة من حالات الاستسهال
لتقديم الواقع من جانب واحد ، واقع أحادي الجانب لننحدر نحو الميلودراما في الكثير
من الأحيان، حيث استعراض البؤس دون البحث عن أسبابه و لا بذل أي مجهود لطرح حلول.
المشكلة أن هذا الاتجاه يخص أيضا من يكتبون عن السينما حيث نري الكثيرين من النقاد
و الصحفيين ينتقدون الأفلام التسجيلية من منطلق أنها غير فنية و هي أقرب للتحقيق
التليفزيوني أكثر منها للسينما و لا يعيروا أي انتباه لقدرة العمل على تغطية جوانب
الموضوع المراد بحثه و لا مدي مصدقية العمل في بحثه عن الحقيقة من عدمه، بل أن
الكثيرين منهم يرفضون رفضا باتا أن تكون هناك أفلام تسجيلية طويلة ، بل يجب أن
يختصر الفيلم التسجيلي ما يقدمه في عدة
دقائق و أن " ينجز " أو "
يجيب من ألأخر " كما تقول مصطلحات الواقع المصري اليوم . السينما التسجيلية
المختلفة و التي يعرفها العالم و تقوم المهرجانات الدولية بالاحتفاء بها كل يوم
سينما تسجيلية مختلفة ، سينما تسجيلية قد تؤدي لفقدان الحياة ،حين تظهر الحقيقة فتزعج الكثيرين . فقد طالعتنا
وكالات الأنباء بمقتل المخرج الفرنسي من أصل أسباني " كريستيان بوفيدا "
الذي تم قتله في السلفادور حيث كان يقيم
منذ عام 2004 من أجل أخراج فيلمه التسجيلي La Vida
Loca أو (
الحياة مجنونة) فقد أثاره ظاهرة عصابات الشباب الموجودة في السلفادور من الشباب
المتاجرين في المخدرات و شديدي العنف ، فذهب إلي هناك لدراسة الظاهرة عن قرب و
تقديم فيلم عنها. ولد كريستيان
بوفيدا في فرنسا و كان جده قد هاجر من
أسبانيا إثناء الحرب الأهلية الأسبانية ، و عمل في التصوير الفوتوغرافي ليصور أكثر
الأماكن سخونة في العالم منذ انقلاب الجنرال بينوشيه في شيلي عام 1974 و كان صوره
تنشر في كل المجلات الشهيرة مثل باري ماتش و ديرشبيجل و حتى النيويورك تايمز . قبل
ان يتحول للسينما التسجيلية في عام 1980 مع أول أفلامه عن جبهة البوليساريو , ثم
نيكاراجوا و السلفادور و حتى لبنان أثناء الغزو الإسرائيلي . درس كريستيان عن قرب
عصابات التهريب في السلفادور المعروفة باسم ( مارا 18 ) و كيف أنها مع الفقر تصبح
هي السبيل الوحيد أمام شباب هذا البلد للحياة ، و كيف أن العضو فيها يمر باختبارات
عديدة لتصبح العصابة هي أسرته البديلة و يتم رسم "الوشم " على جسمه من
أعلى رأسه حتى أسفل قدميه . أنهم أطفال الحروب الأهلية الذين تركوا بلا عائل و لا
عمل فشبوا علي العنف و القتل ، و كان ردهم على الولايات المتحدة التي ساهمت في
إشعال الحروب في بلادهم هو إرسال المخدرات إلي أبنائها داخل أراضيها . لا نقصد
بالطبع بهذا أن يكون السينمائي مقاتل يضحي بحياته و لكن يجب أن يقتل موضوعه بحثا
قبل أن يفكر في تصوير لقطة واحدة من فيلمه ليلم بعناصره هذه هي السينما التسجيلية
الحقيقية ، و لا يهم أن يكون الموضوع سياسي أو رياضي أو حتى عن الأزياء، الطريقة
واحدة للوصول إلي أعماق حقيقة الشيء و سبر أغوار القضية المراد التعرض لها . أما
سينما الاستسهال أو " الاستهبال "
التسجيلية التي نقدمها فنحن نصنعها لنتفرج عليها نحن و لا نري أي عيب فيها
و في قصورها فقد تعودنا على "تكبير المخ " ، و يكفينا أن هناك سينما
تسجيلية أصلا في واقع رافض لأي جدية ساخر ممن يبذلون مجهود .
ارسل لصديق
نسخة سهلة الطبع
    ( 0 تصويتات )
|
 |
 |
 |
 |
|
|
|