السينما الجادة في مصر كالطفل اللقيط يتبرأ الجميع منها
، فلا يرغب احد أن ينتجها أو يقترب منها . التهرب من السينما الجادة يكون تحت
دعاوي أنها سينما لا جمهور لها تخسر من ينتجها ، و أن الجمهور لا يقبل عليها نتيجة
لأن المجتمع أصبح معادي للفكر و الثقافة بشكل عام ، و أخذ أفراده في التوغل في
اللاعقلانية متحصنين بها ضد الجنون المجتمعي المتولد كل يوم . في ظل حالة الفردية
السائدة و فقدان الأمل في أي عمل جماعي من أجل التغير أصبح الفكر و الجدية سبة و
عته لأصحابه. في هذا الجو العام السائد أصبح صانعي السينما الجادة في مأزق شديد ،
فهم لا يجدوا من يمول أفلامهم التي تتسم ( بثقل الدم ) و الدخول في موضوعات مقلقة
لا تجد أي تقبل لدي الجمهور، بالإضافة إلي أنهم يحاولون الاستمرار و التمسك
بتوجهاتهم الفكرية في مناخ من الجدب و الفقر الفكري و النقدي لا يساعدهم على
التفاعل المثمر من أجل تطوير ملكاتهم و أفكارهم. يستعذب صناع السينما الجادة في ظل
المناخ السائد " تلبس " شخصية الضحية ..... المفكر في محيط من الجهل ،
شخصية السابح ضد التيار ، شخصية المتمسك بأفكاره والتي من دونها الموت . هذه
الحالة التي تجعل من صانع السينما الجادة يقف في وجه جميع منتقديه من منتجين و
جمهور عابث ، و وسائل أعلام سطحية ، و حركة نقد متدنية ، تصنع منه بطل أسطوري يواجه
القدر. يؤدي هذا إلي أن نجاحه في تقديم أفكاره التي يواجه بها السائد و المسيطر
يعد في حد ذاته هو النجاح متناسيا أن تلك الأفكار تقدم من خلال فيلما سينمائيا له
شروطه الفنية و الدرامية يجب الالتزام بها أيا كانت الأفكار المقدمة ، فمعظم صانعي
السينما الجادة يركزون فقط على قدر الأفكار التي يعكسها عملهم السينمائي دون النظر
لدرامية تلك الأفكار و لا لتماسك السيناريو الذي تقدم من خلاله تلك الأفكار فتأتي
أفلامهم عبارة عن مجموعة من متراصة من الأفكار و إعلان النوايا .... فرحين بقدر الصدمات
الكهربائية التي تقدمها تلك الأفكار و قدر خروجهم عن النص المجتمعيالسائد الذي تحققه تلك الأفكار ، غير ملتفتين
لفجاجة و لا درامية و تفككك العمل السينمائي المقدم . و بما أن صانع الفيلم الجاد
هو مقاتل اسبرطي في وجه جموع و جحافل الأفكار السائدة منذ أن يكون الفيلم فكرة في
رأسه ، حتى تنتقل على الورق لتدخل محرقة الرقابة ، ثم تبدأ رحلة البحث عنالمنتج ، إلي أن يتحول العمل لفيلم في صورته
النهائية يخرج من المعمل ، و تبدأ رحلة البحث عن موزع يقبل توزيع الفيلم في صالات
العرض .... حتى المرحلة النهائية بعد العرض في مواجهة حركة النقد العشوائي التي
تناقشه و تجادله في السمات المعادية لمصر
في شخصية البطل ، و الجنس الصارخ في علاقة فتاة الليل مع صديق البطل و كثرة
المدخنين طوال الفيلم و أثره على الصحة ، و صوت الأذان المصاحب لمشهد مباراة كرة
القدم و إيحاءاته المعادية للإسلام و غيرها من التحف التي تذخر بها صفحات النقد
الفني في الصحف السيارة و التي تنم على أن حركة النقد الفني و السينمائي تعاني من
مرض عضال لا أمل في الشفاء منه. كل هذا يجعل من مبدع السينما الجادة أصم لا يستمع
لأي نقد حتى لو كان مختلف عما يسود الوسط النقدي الصحفي ، حول مباشرة العمل و لا
دراميته و الخطابية المسيطرة على شخصياته
..... فهو يرى الكل معاد للعمل لكونه مختلف و جاد ، و بالتالي فأن كل الأعمال
الجادة ( تقريبا ) تقع في نفس الأخطاء و يكرر صانعوها نفس التشوهات ، فهم لا يرون
على وجه المياه سوى صورتهم التي تقول لهم أنهم أجمل من بالجزيرة و أن من يقول غير
ذلك هو من فصيل معادة النجاح و الجدية، وأنها
هي نفس أصوات نعيق بوم الجهل و المزايدة و
الغوغائية ..... و تقتلالسينما على مذبح
الجدية. و تظل أفلامنا في أطار المحلية أو تزور مهرجان طنجة أو سيدي سعيد، و تنحدر
السينما المصرية لهوة سحيقة من الميلودراما المحملة بأفكار و لكنها أفكار بلا
سينما و أبطال ليسوا سوى أبواق تزعق بما يريد صانعوا الفيلم من أفكار ، و تنتهي
علاقة السينما بالعمل و تترك المجال للهتاف.
فيلم
بالألوان الطبيعية من إخراج أسامة جرجس فوزي و سيناريو هاني فوزي هو مثال و تجسيد
حي لتيار السينما الجادة التي تسعى لتقديم أفكارا عبر الشريط السينمائي ، فتظل
أفكار على الشريط السينمائي لا ترتقي لكونها فيلما سينمائيا .... فنحن أمام شاب
يلتحق بكلية الفنون الجميلة في مواجهة نظرة المجتمع لتلك النوعية من الدراسة التي
يرى أنها متخلفة و حرام و ضياع للمستقبل ، التي تجسدها أولا شخصية الأم التي ترغب
في دراسة أبنها لمهنة الطب حتى يكون ذو حيثية في المجتمع ، فتصدم بدراسة أبنها
" لمسخرة" الفنون الجميلة فيظل
أنين حزنها على ضياع مستقبله حاضر داخله و مصاحب له ليعلن له فشله الدائم . يواجه
في الكلية تياران شديدي التباين ، و لكنهما في الحقيقة هما وجهان لعملة واحدة ... الفساد
في السلك الجامعي ، و التطرف الديني و التزمت تجاه الفن و التصوير. فأعضاء هيئة
التدريس غير كفئ و لا يعملون و مرتشين و يستغلون الطلبة و يعطون التقديرات جزافا
لطلاب من مريديهم يعاملونهم كالعبيد و الخدم ، و يحرمون الموهوبين من التقدير
الفعلي ليتم تعين من لا يستحق عضوا جديدا في الهيئة التعليمية الفاسدة. التطرف
الديني بدء بنفاق الدولة السادتية للتيارات الدينية بمنعها لرسم الموديلات العارية
في الكلية لأول مرة منذ نشأة كليه الفنون الجميلة في الأربعينات ، وصولا لظهور
التيارات الدينيةبقوة داخل الكلية لتحرم
الفن و الرسم و الاختلاط و إلي أخر هذه السلسة من التردي التي نعرفها و نعيشها في
حياتنا اليومية. هذه السلسة من الأفكار و المواقف مما آل إليه المجتمع المصري من
تردي و امتهان لقيمة الفن في المجتمع قدمها الفيلم مصاحبة بآراء نقدية لحال
المجتمع المصري و ما وصل إليه ، و لكن في صيغة أسكتشات متتالية لمواقف غير مترابطة
لا يجمعها سوى كونها تدور في نفس المحيط ، ولا يضير الفيلم من شيء لو قدمنا ترتيب أحد المشاهد عن الأخرى أو لو حذفنا أحد المشاهد
أصلا ..... فالمهم لدى صناع الفيلم هو إعلان أكبر قدر من المواقف و علو صوتهم
بأكبر قدر من الأفكار . تكثر منها الشخصية الرئيسية في الفيلم عبر المنولوجات التي تعلن لنا بها عن أفكارها و ما
يجيش داخلها من أحاسيس و أفكار – الفيلم نفسها يلجأ لصوت التعليق من خارج الكادر
كأسلوب درامي – و كأننا أمام فيلم تعليمي تلقيني . و نحس في الكثير من الأوقات أن
الشخصيات تتحدث بلسان المؤلف و ليس بلسان الشخصية الدرامية ..... فالمهم هو إعلان
المواقف و المزيد من المواقف و كأننا أما مسلسل إذاعي و ليس عمل سينمائي يعتمد على
الصورة . يعيب الفيلم أيضا السطحية في معالجة الكثير من الظواهر حيث أن
القناعاتمن الظواهر المختلفة هيقناعاتكاتب العمل و ليس تفسير علمي للظاهرة ، و أكبر مثال على ذلك هو تحول البطلة
للتزمت و ارتداء النقاب ، و الذي يجعل الفيلم مصدره إحساسها بالذنب لأقامتها علاقة
غير شرعية مع بطل الفيلم و زميلها في الدراسة ... بالطبع هذا أمر شديد التبسيط و
السذاجة . فظاهرة النقاب في الجامعة و المجتمع ظاهرة لها أسبابها المجتمعية و
الثقافية لا يمكن اختزالها في عقدة نفسية لشخصية
صنعا مؤلف العمل.... كما أن العمل يقدم لنا شخصيات هي عبارة عن عرائس يحركها
المؤلف عبر خيوط يمسكا بيده لا نعرف سببا لسلوكها و أفعالها سوى أنها تحقق تجسيد
لأفكار المؤلف المجردة ،فالفتاة العادية تتحول فجأة إلي فتاة متحررة تقيم علاقات
غير مشروعة ، دون أن نعرف ما هو التحول الذي أوصلها إلي هذا، و كأن المجتمع لا
يحوى ألا فتيات متزمتات أو هؤلاء الذين يعاشرن زملاءهم دون زواج ، بل أن الأمر وصل
به إلي تقديم شخصية نسائية تلد طفل دون
زواج و تحتفظ بهبمباركة أمها و كأننا
أمام أمر طبيعي يحدث كل يوم. الحكم على شخصيات المؤلف من جانبي ليس حكم أخلاقي ، و
لكنه حكم درامي على شخصيات تعيش و تحيى في مجتمع نعرفه كلنا ، و ليس من الكافي أن
نتعامى عما يطرحه المجتمع من شروط حتى تكون غير موجودة أو تنتهي .... قد تكون تلك
هي أمالنا و لكنها ليست الدراما. الفيلم يخلط الأساليب و يمزج الأنماط و هو ما
يقدم قدر كبير من التشويش .... فهو يقدم ما هو فنتازي مع ما هو واقعي و كأنه مسموح
لصانعي العمل أن يقدموا ما يجول بخاطرهم في أي وقت و أي زمن ، و لا أنكر أن الكثير
من المواقف الفنتازية و الرمزية في الفيلم شديدة الجمال و الإبداع .... مثل ظهور
الأم للبطل في مواقف عدة و كأنها صوت الضمير ، أو خلط الموسيقى الشعبية بالأجنبية
بصوت الأذان مع وعظ القسيس ، و لكن كل ذلك وضعفي السياق بشكل قسري مجحف. كما أن شخصيات الفيلم تستخدم في فترات و تترك
ليتم العودة إليها بعد ذلك بقوة من أجل توصيل فكرة المؤلف ( مثال شخصية الطالب
خادم أساتذته و المعيدة الفاسدة ) فنحن نفقد أثرهم لنعود إليهم بكثافة مرة أخرى
ليكونوا محور الجزء الأخير من الفيلم، على العكس فأن الشخصيات التي يتم استنفاذها
كفكرة يتم الاستغناء عنها طواعية و تلقى في سلسة المهملات و كأنها لا تستحق أي
تعميق لأحاسيسها .. فقد أدت دورها ، و لعل شخصية البطلة ( يسرا اللوزي ) التي
أخفاها الفيلم من بعد إلقاءها لخطبتها المتطرفة عن تنكرها للفن و الرسم خير مثال.
أما القضية المهمة التي تثير الحنق في الكثير من تلك الأفلام المقدمة لرسائل
معادية للتطرف و التزمت فتتركز في مواجهتها الفكر المتطرف المعادي للمرأة و دورها
في المجتمع بتقديمها لنماذج نسائية متحررة جنسيا وذات علاقات خارج الزواج ، و كأن
حرية المرأة تتركز في الحرية الجنسية بلا قيد و لا شرط ، و هو أمر شديد الخطورة
يزيد المتطرفين غلوا و تزمت ، و يجعلهم يقدموا أفكارهم بشكل أوسع و أكثر انتشارا.
نعم فتلك النوعية من التفكير تجعل المتطرفين يقدمون المعادين لهم على أنهم دعاة
للفسق و الفجور و الانحلال فتزداد شوكتهم قوة و يزداد تطرفهم نجاحا . لا يمكن أن
تحول الأفكار التي تجول بخاطرنا إلي عمل سينمائي ، فيجب خلق المحتوى الدرامي
المتكامل الذي من خلاله تقدم تلك الأفكار ، فلا الأفلام تصنع من أجل صانعيها ، و
لا ألأفكار تصل للجموع بمجرد أعلاء قريحتنا بها ... الفرق بين صاحب الفكر و كاتب
الدراما، أن هذا الأخير يمكنه أن يعطي
الأفكار روحا بتحويلها إلي شخصيات تحيى و تتنفس داخل وسط درامي متطور يمكنه جعل
المتفرج يتمثل أبطاله و من ثم قد يتبنى ما يقدمه العمل من أفكار . لهذا تظل
السينما الجادة عمل سرى معزول عن الجمهور فهي لا تسعى إليه ، و تظل أفكارها تمتع
صانعيها كمن يسمع صوت غناءه في الحمام.